في عصر تحوَّلت فيه الرعاية الصحية من فنٍ يعتمد على الحدس إلى علمٍ قائم على الدقة والبيانات، أصبحت الأجهزة الطبية هي العصب الرئيسي لهذه التحوُّل. من السماعة الطبية البسيطة إلى أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي المعقدة، ومن مضخات الأدوية الذكية إلى منظمات ضربات القلب المزروعة، تُحيط هذه الأجهزة بالمريض في كل خطوة في رحلة علاجه، وتعتبر شريان الحياة بالنسبة له في كثير من الأحيان.
لكن هذه الثورة التكنولوجية، رغم ما تحمله من فوائد جمة، لم تخلُ من تحديات مصاحبة. فكل جهاز طبي، بغض النظر عن درجة تعقيده، يحمل في طياته هامشاً من المخاطر المحتملة. قد تكون هذه المخاطر طفيفة لا تتعدى إزعاجاً بسيطاً، أو جسيمة تهدد الحياة نفسها. هنا يبرز السؤال المحوري: كيف نضمن أن تفوق منافع هذه الأجهزة مخاطرها بشكلٍ قاطع؟ وكيف نتحقق من سلامتها وفعاليتها قبل أن تلمس جسد الإنسان؟
من هذا المنطلق، يأتي هذا الكتاب “إدارة مخاطر الأجهزة الطبية” ليسد فراغاً مهماً في المكتبة العربية، ليكون مرشداً علمياً وعملياً لكل من يعمل في هذه الحلقة الحيوية. لم يعد مفهوم إدارة المخاطر ترفاً أكاديمياً أو متطلباً بيروقراطياً فرضته الجهات التنظيمية فحسب، بل أصبح “ركيزة أخلاقية وإدارية وفنية غير قابلة للتفاوض”، وغدا عنصراً أساسياً في ثقافة الجودة والسلامة داخل المؤسسات الصحية والشركات المصنعة على حد سواء.