وضح هذا الكتاب الحياةَ المعاصرةَ التي كثُرت تعقيداتُها، وتعددت مجالاتُها، أفرزت جملةً من المشكلاتِ التي تحتاج إلى إجاباتٍ فقهيةٍ جديدةٍ للتعاملِ معها؛ لأنها صورٌ لم تكن معهودةً في التراث الفقهي، تخريجاً أو تفريعاً، ومن أجلِ أن يسيرَ الاجتهاد الفقهي وفقَ أُسسٍ منهجية سليمة، تحفظُ الأصولَ الكلية والثوابتَ الشرعية، وإنتاج مخرجاتٍ فقهية تجمعُ بين الأصالةِ والمعاصرة، فنحن بحاجةٍ إلى استدعاء آلياتِ الفقه ومناهجه، نثورها لتفعيلها، ونفحصها لتجديدها، ونَنْخلها لتصفيتها.
ولا شك أنَّ الكلامَ عن أصول الفقه يعني النزول إلى المنطقة الأكثر تعقيداً في بُنيةِ العلوم الإسلامية؛ لما يمثله الدرسُ الأصولي من بناءٍ منهجي يقتفي قراءةَ النص الشرعي على ضوء قواعده ومقرراته، فهو منطقُ الشريعة، ومنطقُ التفكير الإسلامي عامة؛ وبهذا فهو من أهم المداخل في العلوم الإسلامية التي ينبغي مراجعتها وتكرارها.
ومع تقرير أنَّ الثابت في الدرس الأصولي هو النص، وأيُّ رؤيةٍ منهجيةٍ تعملُ على تغييبِ النصِ مهدرةٌ، وما سعى إليه الدرس الحداثي من تجديد أصولي، عمِل على تغييب فاعلية النص؛ وذلك من خلال استدعاء قواعد أجنبية عن النص الشرعي، فتعثرت في بناء رؤيتها، وما زالت تتعثر، وهي تبتعد عن مقاربة النص الشرعي بمنهجيتها المستجلبة من غير أرضها، فلم تنبت لافتقارها لوسائل حياتها، ومقومات وجودها.
مع عدم إنكار الحاجة الواقعية للتجديد؛ فالمناهج المعيارية ومنها أصول الفقه عادة ما تأتي استجابة واقعية، فعلم أصول الفقه تمَّ تشكليه في واقع وبيئة معينة، وبالتالي سؤال الواقع مهم في إعادة تشكيله، وسؤال واقع اليوم سيكون حاضراً في هذا البحث؛ وعلى ذلك فهذا البحث يسير باتجاهين: (التقصيد والتنزيل) وهما المساران الحاضران في كل المباحث؛ وهو مما يجعل الاعتبارات الواقعية ( محل الحكم) تحت أنظار القواعد التأسيسية في معالجة الواقع.