شهدت أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تحولات جيوسياسية كبرى أعادت تشكيل خارطة الشرق الأوسط والعالم، وكان في قلب هذه التحولات قضايا إنسانية وسياسية معقدة شكلت منعطفاً تاريخياً بارزاً، وتأتي في مقدمتها القضية الأرمنية. لم تكن هذه القضية مجرد شأن داخلي يعصف بأواخر أيام الدولة العثمانية، بل تحولت سريعاً إلى ورقة سياسية دولية تتقاذفها القوى العظمى في أروقة الدبلوماسية والمؤتمرات العالمية، حيث تداخلت فيها المصالح الاستراتيجية بالاعتبارات الإنسانية. يسعى هذا الكتاب إلى تقديم دراسة تاريخية معمقة تبحث في جذور القضية الأرمنية، وتسلط الضوء على المواقف الإقليمية والدولية منها، وصولاً إلى كيفية التعاطي معها في المعاهدات والمؤتمرات الدولية التي صاغت ملامح العالم المعاصر. وتنبع أهمية هذا العمل من محاولته قراءة الأحداث بعيون متعددة، تجمع بين مواقف صناع القرار في الآستانة، والصدى الإنساني والتضامني في المحيط العربي، والمناورات السياسية في الساحة الأمريكية، وصولاً إلى طاولة المفاوضات الدولية. ولتحقيق هذا الهدف، تم تقسيم الكتاب إلى اربعة مباحث متكاملة؛ حيث يفتتح المبحث الأول الدراسة بالبحث في الجذور السياسية للمسألة، متناولاً موقف السلطان عبد الحميد الثاني من القضية الأرمنية، وكيف تعاملت الإدارة العثمانية في عهده مع التحركات الأرمنية والضغوط الأوروبية المصاحبة لها. لينتقل بنا المبحث الثاني إلى بعد إنساني وإقليمي وثيق الأهمية، مستعرضاً موقف العرب من مذابح الأرمن، وهو الموقف الذي تجسد في صور التضامن، والإيواء، والرفض الشعبي والنخبوي للمآسي التي تعرض لها الشعب الأرمني.