تُشكل دراسة التاريخ المحلي المعاصر في العراق جزءاً مهمًا من تاريخ الدولة العراقية المعاصرة ، وتُعد مدة الحكم الجمهوري (1958- 1968) مرحلة حساسة ، وحُبلى بالأحداث على مختلف الأصعدة مازالت آثارها شاخصة حتى اليوم في مختلف النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية . ويعتبر لواء ديالى من الألوية العراقية المهمة إذ تنبع أهميته من موقعه الاستراتيجي المجاور لإيران شرقاً ، وحدوده الواسعة مع خمسة محافظات (بغداد ، صلاح الدين ، كركوك ، السليمانية والكوت)، فضلاً عن كونه العمق الاستراتيجي للعاصمة بغداد وسلة غذائها الغنية بالحبوب والفواكه والخضراوات واللحوم لذلك هو يستحق دراسات تاريخية معمقة .
يُسلط هذا الكتاب الضوء على أبرز التطورات التي شهدها اللواء خلال تلك المدة ، وقد حُددت بداية الدراسة بعام 1958 تاريخ قيام ثورة 14 تموز ، التي أحدثت تحولاً جذرياً في النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ومنها تشريع قانون الإصلاح الزراعي الذي شكّل ضربة للنظام الإقطاعي ، وأثر بشكل مباشر في ديالى بوصفها منطقة زراعية خضعت لعدد محدود من رجال الإقطاع . كما أُلغي نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية ، مما أحدث تغيرات ملموسة في المجتمع المحلي ، وانطلاق جهود نشر التعليم لاسيّما الابتدائي في مناطق الريف حيث تشكل النسبة الأكبر منه في ديالى . أما نهاية الدراسة فكانت عام 1968، الذي شهد انقلاباً سياسياً انعكس على مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عموم العراق ، ومنها ديالى.
واجه المؤلف صعوبات كثيرة ، أبرزها ندرة الوثائق غير المنشورة وصعوبة الحصول عليها، نتيجة ضعف الخدمات المكتبية أو تلفها بسبب الأحداث التخريبية التي عصفت بالبلاد ، لا سيّما بعد عام 2003. وقد اضطر المؤلف إلى تعويض ذلك بالاعتماد على وثائق محفوظة في الأرشيف الوطني ببغداد ، إلى جانب الكتب والمطبوعات الحكومية والرسائل الجامعية والصحف العراقية .
توزعت المادة العلميّة للكتاب على تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة . تناول التمهيد : تسمية ديالى ، وصفها الجغرافي ، وتطور أوضاعها العامة منذ العهد العثماني الأخير حتى عام 1958. تطرق الفصل الأول إلى : التطورات الإدارية في لواء ديالى بين عامي 1958 و1968، وقُسم إلى قسمين: الأول عن الإدارة المحلية ومهام العمل الوظيفي، والثاني عن تشكيلات اللواء الإدارية. وبيّن الفصل الثاني: التطورات الاقتصادية في اللواء تطرق فيه المؤلف إلى : انعكاسات قانون الإصلاح الزراعي ، التطور الصناعي ، وقضية النفط ، وجاء الفصل الثالث بعنوان : التطورات الاجتماعية ، أوضح فيه المؤلف : أوضاع التربية والتعليم ، الخدمات الصحية ، الفعاليات الاجتماعية والأنشطة الرياضية ، وسيرة بعض من أعلام ديالى في الإصلاح والقضاء العشائري و معهد المعلمات الصباحي في محافظة دَيالى .
استند المؤلف على مجموعة من المصادر التاريخية ، أبرزها الوثائق العراقية غير المنشورة المحفوظة في دار الكتب والوثائق ببغداد ، ووثائق غرفة تجارة ديالى ومديرية التربية ، التي أغنت مادة الكتاب بمعلومات دقيقة عن التعليم والتوزيع الجغرافي للمدارس . كما استفاد المؤلف من الوثائق المنشورة لاسيّما جداول كبار الموظفين ومجموعة القوانين والأنظمة الصادرة عن وزارة العدل آنذاك.كان للرسائل والأطاريح الجامعية دور مهم في دعم الكتاب ، منها رسالة المؤلف حول التنظيمات الإدارية في ديالى (1917- 1932)، وأطروحة الدكتور قحطان حميد كاظم عن وزارة الداخلية العراقية 1939- 1958، وأطروحة الدكتورة غصون مزهر حسين عن التطورات الاقتصادية والاجتماعية ، وأطروحة المؤلف كاظم موسى محمد عن الموارد المائية في حوض نهر ديالى. و أسهمت الكتب العربية المطبوعة في تعزيز المادة العلميّة ، منها كتاب ” لواء ديالى في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم”، وكتاب الدكتور صباح مهدي رميض “ديالى .. سيرة أعلام ومسيرة أحداث”. وغيرها من المصادر التي وظفها المؤلف في مختلف فصول الكتاب.