في رواية “خريف قادش”، لا تروي الكاتبة قصة حب، بل ترصد تفكك الذات تحت ضغط العزلة النفسية والتعلق غير المتبادل، حيث تغوص الشخصية الرئيسية – “صفاء” – في علاقة وهمية مع مدرب أجنبي لا تربطها به أي صلة فعلية، سوى مراقبته عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
تنتقل الرواية من ما يبدو كحكاية عاطفية تقليدية إلى تجربة سردية تنكشف تدريجيًا على أنها بناء وهمي كامل، صاغته البطلة داخل عقلها، كرد فعل على الوحدة والفراغ العاطفي والانفصال عن الواقع. القارئ لا يكتشف هذا الخداع السردي إلا بعد مرور عدة فصول، مما يضعه في مواجهة مباشرة مع سؤال الحقيقة والخيال، والحب والهوس، والواقع الذاتي مقابل الخارجي.
الرواية مكتوبة بلغة شاعرية ناعمة، تستبطن المشاعر أكثر مما تصفها، وتوظف الرموز (مثل “حبة العنب” و”الجنين” و”الإنستغرام”) لتحميل النص معاني نفسية عميقة تتجاوز الحدث السردي الظاهري. كما تعتمد الرواية على تقنية “الراوي غير الموثوق به”، حيث تتحدث صفاء إلى القارئ من داخل وهمها، فتبدو علاقتها حقيقية، بينما هي في الحقيقة رغبة معطوبة، تتخذ شكلَ ذاكرة غير موجودة.
من أبرز لحظات الرواية، فصل بعنوان “جنين الأسرار”، تصل فيه صفاء إلى الاعتقاد بأنها حامل من هذه العلاقة المتخيلة، دون أن تكون قد تكلّمت مع الرجل أو تلامست معه يومًا، مما يُشكّل ذروة الوهم العاطفي والبيولوجي، ويعكس مأساة الذات حين تصنع واقعها الخاص وتدافع عنه حتى الموت.
لكن الذروة الدرامية لا تقود إلى شفاء، بل إلى انغماس أعمق. فحتى بعد صدمة موت المدرب، ترفض صفاء التصديق، وتواصل رؤية صوره (المتخيلة) على الإنترنت، وتفترض أنه عاد لزوجته، فتبدأ بكراهيته… لا لأنه مات، بل لأنه “خانها” في عالم لم يحدث فيه شيء.
“خريف قادش” رواية عن العزلة في زمن مزدحم بالصوت والصورة، عن هشاشة الإدراك حين تُفرغه الحياة من الدفء، وعن امرأة صنعت من اللاشيء علاقة، ومن العلاقة كيانًا، ومن الكيان… حملًا ولكن صدمه القارى تكون عنيفه في نهايه الروايه.