ان الادمان ليس بالضرورة ان يكون شكلاً واحد بل متعدد فهو يأخذ طابع المادة الكيميائية تارة والطابع الفكري تارة اخرى والشعوري والسلوكي فكما ان هناك مدمن الخمر والمخدرات يتوافر نظيره ايضاً مدمن الشعور الغير مفسر بأسباب منطقية فهناك من يشعر بالحزن لا لأنه حزين بل لان الحزن بات يشكل هويته ويعطيه ابعادها النفسية ويحقق له شعوره بذاته وان هذه الانواع كلها تجتمع تحت مظلة واحدة هي مظلة الهرب ,الهرب من شيء معين يؤذي اعصابه الى اتجاه مضاد له اي الى المتعة والتكرار يجعل رسم الطريق العصبي متاح وسريع ومعروف بدقة كبيرة بحيث لا تحتاج الى تفكير وتتجاوز مرحلة التفكير الى التنفيذ فوراً في كل مرة يعترضك الامر ذاته من هنا تنبثق مسالة الادمان وصعوبة الترك.
لا يمكن للمدمن التخلي عن عادته عبر الوعظ والتنظير بل بتقديم البديل فالمدمن يبحث عن متعة والبحث عن المتعة شيء مشروع للجميع ولكن طريقة الحصول عليها احياناً تكون غير مشروعة فالنتائج تكون سلبية وان مصطلح الادمان قد ارتبط بالموضوع الدارج المتمثل بتعاطي المخدرات ولكنه يتوسع ليشمل كل عادة لا يمكن للإنسان الانفكاك عنها, كل عادة تقذف جرعات الدوبامين بشكل مهول غير منطقي ينسحب بشكل سلبي على الانسان. على سبيل المثال الادمان على التفكير رغم ان التفكير شيء طبيعي يمارسه الجميع بلا استثناء
الا انه قد يأخذ منحى اخر فيصبح الشخص عبر التفكير يثبت ويعزز لنفسه السردية التي يراها عن ذاته فهو عندما يتعرض للخذلان سيصبح يفكر بكل من يراه بالشك الغير منطقي فكل كلمة ونظرة تشير الى شيء ما وينسحب ايضا الى ربط كل حدث سياسي بنظرية المؤامرة حيث ان هذا النوع يخلي مسؤولية الانسان من التغيير فهو لكي يتخلص من مشاعر تأنيب الضمير يستعمل هذه الشماعة فالادمان ليس دوما بحث عن متعة بل هرب عن ألم فهو عندما يربط التغييرات بنظرية المؤامرة يكون قد ادمن فكرة غير صحيحة ولكن هذه الفكرة اشبه بالمخدر لضميره اضافة الى ادمان احلام اليقظة التي تاكل من بعض البشر المصابين بها في اليوم ساعتين او اكثر حيث ان ما فشل في تحقيقه واقعاً يحققه دماغياً داخل الجمجمة مما يطلق عمليات الدوبامين بشكل مكثف وربما يدمن الانسان هذا النوع لدرجة انه يفرغ نفسه ساعتين او اكثر.
ان الادمان ينسحب حتى على العلاقات فهناك من يدمن العلاقات السامة رغم معرفته بها وبالنتائج المتوقعة وان هذا النوع من الادمان يعطل الدماغ او يجعله مقفولاً بواسطة شخص واحد يستطيع التأثير على كيمياء الدماغ بحضوره وكلامه فتنطلق المشاعر التي تهب الشعور بالراحة والفرح والسعادة ويصبح ترك هذا الشخص شي شبه مستحيل واذا حدث يمكن ان يؤدي الى الالام شديدة الحدة على الاعصاب تتمثل بالعدمية والاكتئاب الذي يحتاج ردح من الزمن للخروج من بؤرته.
ان الادمان يتعدى حتى لسلوك الانسان فيربط الحزن بالطعام فكلما ضاق به الامر اتجه نحو الطعام فيزداد سمنة و تخمة ويربط السهر بالتفكير بالماضي وان الادمان على الماضي بحد ذاته اشكالية فهو يرى الماضي اجمل من الحاضر فيقتل حاضره ويخسر مستقبله وان هذه حيلة دماغية حيث ان الادماغ يقوم بحذف غالبية الذكريات السيئة ويترك الماضي مجرد صورة صامتة دون شعور ودون صوت ومعاناة فيتخيل ان الماضي كان بهذه الروعة وهذا ما يسمى بالنوستالجيا الحنين الى الماضي ونتيجة القياس على الماضي تتولد عادة توقع الاسوأ فحين يمر بموقف يتذكر موقف سابق فيصبح يقيس الحاضر على الماضي ويتوقع على غراره؟ ويقع في فخ المقارنة الدائمية.
ان عادات الادمان كثيرة وتستحق النظر فهي السجون بلا قضبان والمساجين بلا عقل فكل ادمان يكون شعوري لا عقلي فمن هنا نسال انفسنا ما هو الادمان وما هي مظاهره؟ وان تفكيكه هو اول الخطوات لتركه والوعي به يؤدي الى تحجيمه فبدلاً من ان تدمن القلق على المستقبل وتجلس خالي اليدين اسعى الان الى صناعة المستقبل حتى لا تقع في مطباته المجهولة.