وجد القاص الخمسيني الواقع أمامه أرضاً ملائمة لاستثمار موضوعاته التي أطلَ بها علينا برصد تفصيلي للواقع، وتصوير فوتوغرافي لما حوله، إذ كان الواقع شاخصاً بأخطائه أمامه فعمد إلى رصد تلك الأخطاء بحرفيتها. بينما جسد نتاج القاص الستيني الذي عاش واقعاً مضبباً تشوهات مرحلته المتناقضة التي انعكست على ذاته، فانغلق عليها محبطاً بفعل الظروف السياسية والاجتماعية المرتبكة التي أنتجتها أحداث ما بعد ثورة 1958 وأعقاب نكسة الخامس من حزيران، فعبر نتاج القصاصين عن تناقضات تلك المرحلة وبدت نتاجاتهم ملفعة بالغموض، تسبح في أجواء الفنتازيا والخيال تعويضاً عما افتقده القاص وهرباً من واقع لا يرضاه، وفي خضم تلك الأحداث المتلاطمة برز نتاج مجموعة من القصاصين الستينيين الذين اهتموا بالنواحي الشكلية والتغريب، وغير ذلك مما انطوى تحت مفهوم التجريب القصصي الذي شاع في تلك الفترة. وبرز العبادي واحداً من بين تلك المجموعة وهو ابن الريف القادم من أحدى قرى ناحية العزير في محافظة ميسان الذي لم ينأَ بنتاجاته عن تأثيرات تلك المرحلة رغم إيمانه بانَ التجارب الأولى يجب أن تكون واقعية، لتليها، طبقاً لوجهة نظر العبادي، قفزة نوعية في التعبير عن الأشياء، إذ لم يعد الواقع نقطة الجذب الوحيدة للكاتب، وكذلك الإنسان فهناك مغامرات الذهن والخيال.