شهدت الدراسات النقدية الحديثة تحولات عميقة في مناهجها ورؤاها وآلياتها الإجرائية، فلم يعد النص الأدبي ينظر إليه بوصفه بنية لغوية مغلقة تقتصر دلالاتها على ما يتضمنه المتن من ألفاظ وتراكيب وصور، وإنما أصبح كيانا ثقافيا وسيميائيا متكاملاً تحيط به مجموعة من العلامات والمؤشرات التي تسهم في توجيه عملية القراءة، وتؤثر في بناء المعنى قبل الدخول إلى النص وأثناء تلقيه وبعد الفراغ من قراءته. وقد أسهم هذا التعلم في إعادة النظر في كثير من المسلمات النقدية، وأدى إلى ظهور اتجاهات حديثة اهتمت بما كان بعد سابقا عناصر هامشية أو مكملة للنص، لتصبح هذه العناصر جزءا أصيلا من بنيته الدلالية والجمالية.
ومن أبرز هذه الاتجاهات النقدية ما قدمته الدراسات السيميائية التي انطلقت من النظر إلى النص بوصفه منظومة من العلامات المتفاعلة، لا يقتصر إنتاجها للمعنى على المتن وحده، وإنما يمتد إلى كل ما يحيط به من عناوين، وإهداءات، وأغلفة، وصور، ومقدمات، وعناوين فرعية، وإشارات طباعية ومعلومات النشر، وغيرها من العناصر التي تشكل ما اصطلح عليه في النقد الحديث بـ«النص الموازي» أو «العتبات النصية». وقد أصبحت هذه العناصر تمثل مفاتيح أولية لفهم النص، وتمارس دورا تداوليا وإيحائيا بالغ الأهمية في تشكيل أفق انتظار القارئ، وتوجيه عملية التأويل، وإغناء البنية الدلالية للعمل الأدبي.